التحدي الثقافي للأمة العربية الإسلامية -المواجهة الحاسمة

Publié le par Jelloul Dagdag

التحدي الثقافي للأمة العربية الإسلامية
-المواجهة الحاسمة-

جمال الهاشمي (*)

مند فجر الإسلام وبروزه كمنظومة دينية وإنسانية متميزة تنتهج منهجا فريدا في إدارة وتوجيه حياة الإنسان، وهي تتعرض كما جرت العادة بين المنظومات والاتجاهات البشرية إلى مضايقات وهجومات، تختلف خلفياتها وأشكالها بتطور الزمن والفكر الإنساني والمصالح السياسية الدولية.

إلا أن هذا التطور شهد أوج سرعته في التغير  في العقود الأخيرة ضمن القرن الماضي من حياة البشرية، فبينما كانت المواجهات تميزها عموما المقاربة العسكرية وعنف الصراع في القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، أصبحت المواجهة الايديولوجية هي الموجهة للصراع في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المواجهة في الألفية الثالثة أصبحت تعتمد السلاح الثقافي القيمي والمعلوماتي كعنصر حاسم في الصراع، ولقد أصبح في حكم المؤكد دور الثقافة المحوري في حلبة الصراع العالمي الجديد، ومكانتها المتقدمة في الساحة الدولية، لقد تحدث السيد جاك شيراك في افتتاح مؤتمر اليونسكو الثالث والثلاثون في أكتوبر 2001 فقال في خطابه الرسمي : "إن القرن التاسع عشر شهد صراع القوميات والقرن العشرين شهد صراع الأيديولوجيات، أما القرن الواحد و العشرين فانه يشهد صراع الثقافات".

فإلى أي حد إذن تعتبر المواجهة الثقافية حاسمة في تحديد التوازنات الحضارية والمنظومات الرائدة القائدة للإنسانية؟ وكيف يمكن أن تساهم الملتقيات الفكرية والثقافية والأبحاث الفكرية الجادة المجددة في بلورة وتوجيه تلك الثقافات نحو التوازن الحضاري المطلوب.

    إن كل ما نشهده في عصرنا من أزمات قد تؤدي إلى مواجهات أكثر عنفا وتدميرا للإنسانية هي نتيجة لأزمات ثقافية في العالم كله قبل أن تكون نتيجة مشاكل سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية،  يقول مصطفي الفقي: "إن الملف الثقافي هو ملف جديد يواجه العرب والمسلمين ربما للمرة الأولي عبر تاريخهم الطويل، فقد استقر في العقل الغربي شعور كامن يسعى إلي العمل على تغيير المناخ الثقافي في معظم الدول العربية والإسلامية، بدعوى أن التخلف السياسي والاقتصادي والثقافي هو الذي أفرز العناصر الإرهابية، وأوجد البيئة الحاضنة للإرهاب"

لاريب أن أزمة الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، و ما كان قبلها وما  تلاها من أزمات هي استمرار للمواجهة الثقافية الشرسة بين غلاة الغرب خاصة، والمسلمين اللذين يتوجب عليهم تجاه ذلك تطوير أساليبهم في المواجهة، عن طريق بلورة منظومة ثقافية متطورة، وفية لمنهجهم الإسلامي الراقي في التعامل مع الأزمات ومع الآخر، ومصداق ذلك قول الله عز وجل ﴿ و ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن﴾ . سورة النحل الآية 125.

وفي هذا الإطار ينبغي أن تأتي أشغال المؤتمرات والملتقيات والندوات حول نبي الرحمة وسماحة الاسلام ومنهجه الثقافي الأصيل، و الذي ينبغي أن يتناول  مواضيع متنوعة ومتكاملة تحاول الإحاطة بكل مظاهر الرحمة في الشريعة الإسلامية التي شملت الإنسان بكل فئاته، بل تعدت في شمولها الإنسان إلى الحيوان وكل الموجودات، لكن مثل تلك الملتقيات الفكرية والعلمية يفضل أن تهتم بجوانب أخرى تهم على الخصوص دراسة آراء الغرب حول الإسلام ونبيه وتصحيح المفاهيم المغلوطة عند العالم الغربي حول الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى نقطة مهمة أيضا وهي تصحيح سلوك بعض المسلمين المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتبقى مسألة معالجة علاقة المسلمين بالغرب معالجة صحيحة من أهم ركائز تجاوز هذه الأزمات.

وقد يذهب الباحث ليغوص عميقا في تاريخ العلاقة العربية /الغربية في الفترة الممتدة لقرنين من الزمان فيجد أن ( الثقافة) بمعني من المعاني، تمثل طرفا مهما في هذه العلاقة الشائكة والمتغيرة، فالتعليم الحديث في الدول العربية صمم على شاكلة التعليم الغربي، وحتى في الموقف الأمريكي السلبي وشبه الثابت من القضية الأم (القضية الفلسطينية) يجد الباحث خيطا واضحا من العناصر (الثقافية) كاعتقاد جمهرة من الأمريكيين بأن ما يحدث في فلسطين هو تطبيق لما جاء في العهد القديم حول ( دولة إسرائيل) كما رسخ في قاع المجتمع الأمريكي الحديث من ما سمي بالثقافة اليهودية المسيحية.

هذه العلاقة المتشابكة بالغرب رافقتها ظاهرتان متعاكستان.

1-      فهم مغلوط وضبابي في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة ( للثقافة) العربية الإسلامية،     و بالتالي لما يضمره العرب تجاه الغرب.

2-      فهم مغلوط لقطاع واسع من العرب المسلمين للثقافة الغربية كما تتجلي في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى وجه الخصوص تعددية وتعقيد، المشهد السياسي الأمريكي.

فمواجهة التحدي الغربي يستلزم من طرف المسلمين منهجا سليما، ينبني أساسا على استخدام المعرفة وثقافة حوار صائبة، و ذات أساس فكري متين، وحول ذلك يورد محمد رميح في ورقته المقدمة  لندوة الثقافة العربية الإسلامية: "أمن وهوية"  التي عقدت بعمان، الأردن من 17-19 ديسمبر 2002. ما يلي: على الرغم من الصيحات المستنيرة لبعض المفكرين العرب، والقائلة أن مواجهة ( التحدي) الذي يمثله الغرب، هو بأن نتبنى كعرب نفس الوسائل التي استخدمها الغرب في ( السيطرة) وهي باختصار المعرفة الحديثة وحكم المؤسسات، وتحديث الفكر الإسلامي، لجعله معاصرا مستجيبا للتطورات الحديثة، وقد قال بذلك بشكل أو بآخر رجال في زمانهم، مثل رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، و شكيب ارسلان، ومالك بن نبي على سبيل المثال لا الحصر، ورغم أن هؤلاء تبنوا ( فكرة الحداثة) على أنها تواصل مع التراث لا انقطاع عنه، على أن يُنقي هذا التراث مما علق به من شوائب في نظرهم، والدعوة للانخراط في الحاضر الذي لا غني عنه للعيش الحديث، وأن المشكلة ( المبدئية) في المجتمع العربي الإسلامي لا تنفك عن المشكلة (المنهجية والعلمية)، إلا أن الممارسات التي تمت في الواقع العملي بعد ذلك اتخذت ثلاثة أشكال، لو تتبعناها لوجدنا أنها أيضا تمثل (تقليدا) للغرب بشكل ما من جهة، وقاصرة عن القفز على العناصر الثقافية السلبية من جهة أخرى.

وقد كانت أبرز المدارس والاتجاهات  التي حاولت رفع التحدي ضد الثقافة الدخيلة، هي القومية، المدرسة الاشتراكية والمدرسة التراثية الإسلامية، وحسب رأي محمد رميح دائما فإن المدارس الفكرية الثلاث التي تصدت ( للتحدي الغربي) واجهت أزمة منهجية عميقة، أودت ببعضها إلى الاضمحلال، ولا يزال هذا القصور المنهجي يشكل عقبه عملية ونظرية، يواجه عمل النشطين فيها، ويعوق وصولها إلي الغاية، وهي تعاني من عدم توازن مزمن بين  فقه المبدأ، وفقه المنهج.

مما يعني أن التحركات الجديدة الجادة لصون الثقافة العربية الإسلامية وتقويتها لتتحمل التحديات الحضارية التي تُرفع في وجهها باستمرار، يجب أن تتميز بالعمق المعرفي الصحيح، والبعد الحضاري المتسق وثراء وتميز الحضارة الإسلامية، ولعل بعض المؤتمرات واللقاءات الفكرية التصحيحية تكون إحدى اللبنات في صرح المزيد من تقوية الثقافة الإسلامية وقدرتها على المواجهة الصحيحة، فمن خلال أشغال تلك اللقاءات يمكن المحاولة بشكل جدي لإيضاح جلي لمقومات الرحمة في الحضارة والثقافة الإسلامية، مع ضرورة التعرف أكثر على ثقافة الآخر، من خلال دراسة  ثقافته وفكره، ونقده النقد البناء، والتعرف إلى سبل المواجهة الصحيحة معه، لكن أيضا وهذا مهم، التعرف إلى كيفية إبلاغه ثقافتنا الثرية، وذلك بالبحث عن القنوات المثلى للوصول إليه وإقناعه والحد من خطره الثقافي.

وبهذه المقاربة الفكرية المنطقية القابلة  للتنزيل على الواقع، و من خلال الملتقيات الفكرية والثقافية الجادة، بل والمشاريع الثقافية المستهدفة  لتغيير وتطوير بنية المجتمعات، وعن طريق ما يجب أن ينبثق عنها من إطارات وهيئات عمل على أرض الواقع يمكن الوصول بفكرنا وثقافتنا ومنظومتنا الإسلامية الراقية، إلى أن تتبوأ مكانتها المستحقة، وتؤدي دورها الريادي في تقوية الطرح الثقافي الإسلامي، وحمايته من الأخطار المهددة، بل وإنقاد الإنسانية من ويلاتها وغلوائها، وتبصرتها بالطريق القويم والمنهج السليم للخروج من أزماتها نحو آفاق أرحب لسعادة حقيقية لكل الناس.

أصبح مما لاشك فيه إذن أن المعيار الثقافي للأمم، من ضمن المعايير الأكثر تحديدا لمصائرها على الصعيد العالمي المفعم بتعدد الحضارات وصراعها واختلاف الثقافات والأفكار وتنافسها، مما يطرح تحدي كبير أمام كل تلك المؤتمرات واللقاءات والفعاليات الفكرية، بحيث ينتظر منها بدل المجهود الجاد والفعال وبلورة التوصيات بشكل عملي، في سبيل إيصال الثقافة الإسلامية الصحيحة للآخر مع توطيد دعائمها وغرس قيمها النبيلة أكثر في عمق بنية مجتمعاتنا التي هي بأمس الحاجة إلى مشروع ثقافي رائد بحجم التحدي المطروح. 

       

(*) جمال الهاشمي – فاعل جمعوي و كاتب " من المغرب".

Publié dans إصدارات

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article